الأربعاء، 12 أغسطس 2015

مسائل في المعاملات المالية المعاصرة (4) الرسوم الإدارية أو رسوم الخدمات.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لقد سألني بعض الإخوة الأفاضل عن معاملة في مصرف أبوظبي الإسلامي, وهي السحب على المكشوف لنصف الراتب, من غير فوائد, ويأخذون (100) مائة درهم كرسوم خدمات إدارية.
فما حكم هذه المعاملة؟ وما هو تكييفها الفقهي؟ وهل يجوز أخذ الرسوم الإدارية؟
فأحببت أن أجمع كلام علمائنا في هذه المسألة وأنقل لإخواني فتاوى علمائنا, فهم بركتنا, ونحن بهداهم نقتدي, فأقول وبالله التوفيق:
لقد أصبح فرض أمثال هذه الرسوم -الإدارية- عرفًا في معظم المرافق العلمية والاجتماعية؛ إذ المقصود منها تغطية نفقات الأعمال الإدارية، والأدوات المكتبية في المقام الأول([1])، وهي صورة حديثة من صور المعاملات المالية المعاصرة, ولقد جمعت كلام العلماء عن هذه المعاملة, ورتبتها في أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الرسوم الإدارية.
المطلب الثاني: حكم الرسوم الإدارية.
المطلب الثالث: شروط الرسوم الإدارية.
المطلب الرابع: قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات الشرعية بخصوص الرسوم الإدارية.



المطلب الأول: تعريف الرسوم الإدارية([2]).
أولاً: تعريف الرسوم الإدارية لغة.
الأصل في معنى الرّسم لغة: الإعلام, يقال: رسمت الكتاب؛ أي كتبته, ويأتي أيضا بمعنى الأثر، أو بقيته، أو ما لا شخص له من الآثار, وجمعه رسوم.

ثانياً: تعريف الرسوم الإدارية اصطلاحاً.
الرّسم: هو مبلغ من المال يجبيه أحد الأشخاص العامة جبراً من الفرد، لقاء خدمة يؤديها له.
وهذا اللفظ غير مستعمل في مصطلح الفقهاء بهذا المعنى.
وقيل: الرسوم مبالغ محددة يتم تقديرها على حسب مستوى الخدمات([3]).


المطلب الثاني: حكم الرسوم الإدارية.
أولاً: التكييف الفقهي للرسوم الإدارية.
الرسوم الإدارية تعتبر من باب الأجرة مقابل خدمات حقيقية فعلية يقوم بها البنك لصالح العميل, كمتابعة القرض والإشراف الهندسي على التنفيذ ونحو ذلك, ولقد اتفق الفقهاء على مشروعية الإجارة([4]).

ثانياً: حكم الرسوم الإدارية.
الرسوم الإدارية جائزة بشروط, وهو ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي([5]), واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية([6]), وهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية([7]).



المطلب الثالث: شروط الرسوم الإدارية.
الشرط الأول: أن تكون الرسوم الإدارية مقابل خدمات فعلية([8]), لا مقابل القرض([9]).
الشرط الثاني: أن تكون الرسوم الإدارية متناسبة مع الخدمات المقدمة, والزيادة على الخدمات الفعلية تعتبر من الربا المحرم شرعاً([10]), وتقدير الرسوم الإدارية يرجع فيه لأهل الخبرة([11]).
الشرط الثالث: أن لا ترتبط الرسوم بمبلغ القرض, فتزيد تبعاً لزيادة المبلغ, أو لزيادة طول المدة, بل ترتبط بالقيمة الحقيقية للخدمة التي يبذلها البنك([12]), وعليه لا يجوز جعل رسوم الخدمة نسبة مئوية من مبلغ القرض, لأنه دليل على أنه لم يراع في تقدير التكاليف القيمة الفعلية([13]).
الشرط الرابع: أن لا تكون هناك غرامة إذا حصل تأخير في سداد القرض, لأنه من الربا الصريح، إذ هو عبارة عن الزيادة على أصل الدين مقابل التأجيل وهذا هو ربا الجاهلية المجمع على تحريمه: "أتقضي أم تربي"([14]).



المطلب الرابع: قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات الشرعية بخصوص الرسوم الإدارية.
أولاً: قرار مجمع الفقه الإسلامي([15]).
القرار الأول: بشأن: استفسارات البنك الإسلامي للتنمية.
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ /11 - 16 تشرين الأول (أكتوبر ) 1986م .
بعد دراسة مستفيضة ومناقشات واسعة لجميع الاستفسارات التي تقدم بها البنك إلى المجمع،
قرر ما يلي :
(أ) بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية :
أولاً : يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية .
ثانياً : كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعاً .

القرار الثاني: بشأن موضوع: "بطاقات الائتمان غير المغطاة"([16]).
ثالثاً: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراض من مصدرها، ولا حرج فيه شرعاً إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة, وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة، لأنها من الربا المحرم شرعاً، كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم 13 ( 10/2 ) و 13 (1/3 ).




ثانياً: فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية([17]).
س: تعلمون فضيلتكم أن صندوق التنمية العقارية يمنح قروضا للاستثمار، في مجال البناء، وهي قروض بدون فائدة، وتقدر قيمتها بـ 50% من تكلفة أي مشروع استثماري، ويتم دفعها على أقساط بموجب شهادات تنفيذ، يتم إعدادها عقب إنجاز مراحل المشروع. وقد تقدمت لإدارة الصندوق للحصول على قرض استثماري، وعندما حان وقت توقيع العقد فيما بيني وبين تلك الإدارة، طلب مني تسليم مبلغ نصف ريال% من تكلفة المشروع مقدما، وعندما سألتهم: مقابل ماذا تلك النسبة؟ قيل لي: إنها بدل أتعاب ومصاريف إدارية، وأن هذا من صلب لائحة الإقراض، ولا سبيل للحصول على ذلك إلا بتسليم ما طلبوا.
آمل إفادتي: هل يجوز لي ذلك، وما الحكم لو طلبت منهم خصم تلك النسبة من أصل قيمة القرض؟
وأجابت بما يلي: سبق أن درس مجلس هيئة كبار العلماء موضوعا مماثلا لهذا، وأصدر قرارا بالأكثرية برقم 66 في 7 \ 2 \ 1400 هـ، جاء فيه:
اطلع المجلس على الكتاب المقدم إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من أصحاب المشاريع الصناعية، حول أخذ صندوق التنمية الصناعية السعودي 2% مما يقرضه لهم رسوم مساعدة تمويل المشروع، واطلع على كتاب معالي وزير المالية رقم 3178 \ 98 وتاريخ 29 \ 6 \ 1398 هـ، إلى معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء، في بيان أن ما يتقاضاه الصندوق من الرسوم ليس من أجل القروض، وإنما هو جزء ضئيل يدفعه المقترض مقابل ما يقوم به الخبراء الفنيون من دراسة المشروع الصناعي، دراسة فنية ومالية، وما يقدمونه من مشورات وغير ذلك، مما يعود على صاحب المشروع بالنفع ويساعد على نجاح مشروعه، وهذا مما يكلف الصندوق تكاليف مالية كبيرة، واطلع على ما جاء في فقرة (د) من المادة الثانية، من مواد العقد المبرم، بين الصندوق وأصحاب المشاريع الصناعية، والمرفق صورتها بالمعاملة، من أن المقترض يوافق بموجب هذا العقد على أن يدفع للصندوق بدون قيد أو شرط رسم مساعدة تمويل، بمعدل 2% (اثنين بالمائة) سنويا، ويتم حساب هذا الرسم على القيمة الأساسية غير المسددة لكل قرض.
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته، وتداول الرأي فيه، قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: هذه الرسوم ربا صريح؛ لكونها في مقابل ما دفعه صندوق التنمية من القرض لصاحب المشروع كما هو نص فقرة العقد (د) من المادة الثانية من مواد العقد المبرم بين الطرفين، ولأنها لو كانت مقابل الخدمات التي يقدمها الخبراء الفنيون لتفاوتت بقدر تفاوت متاعب الدراسات الفنية والمالية التي يقوم بها الخبراء، ولأنها تنقص تدريجيا بقدر ما يسدد من مبلغ القرض.
ثانيا: إذا قدر أهل النظر والخبرة ما يقوم به الخبراء الفنيون من متاعب الدراسات الفنية والمالية لمصلحة المشروع، فلصندوق التنمية السعودي أن يتقاضى الأجر المنفق مقابل هذه الدراسات أو جزء منه، وإن تركه الصندوق مساعدة لصاحب المشروع فهو أولى.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز



ثالثاً: قررا هيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية([18]).
"يجوز للمؤسسة المقرضة أن تأخذ على خدمات القروض ما يعادل مصروفاتها الفعلية المباشرة, ولا يجوز لها أخذ زيادة عليها, وكل زيادة على المصروفات الفعلية محرمة".




الخاتمة:
مما تقدم يتبين جواز المعاملة التي يجريها مصرف أبوظبي الإسلامي, لتوفر الشروط فيها, فما يأخذه المصرف من رسوم (100) مائة درهم هو نظير الخدمات الإدارية, وهو ثابت لا يتغير مهما زاد مبلغ القرض, ولا توجد غرامة تأخير.

تنبيه: تم التواصل مع أحد المستشارين في مصرف أبوظبي الإسلامي وأكد أن الرسوم فعلية وهي أقل من التكاليف الإدارية والمصرف فعل ذلك للاحتياط، فجزاهم الله خيرا ووفقهم لتطبيق الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية.

والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه: يوسف بن أحمد النوحي



([1])بطاقات المعاملات المالية, عبد الوهاب أبو سليمان, بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي, الدورة العاشرة (2/706).
([2])معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء, نزيه حماد (ص230), والقاموس المحيط (ص1438)، والمصباح المنير, الفيومي (1/269)، ومبادئ علم المالية, محمد فؤاد إبراهيم (ص237)، ومالية الدولة والهيئات المحلية, عبد المنعم فوزي وعبد الكريم بركات (ص253)، وومضات فكر, محمد الفاضل ابن عاشور (ص74).
([3])بطاقات المعاملات المالية, عبد الوهاب أبو سليمان, بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي, الدورة العاشرة (2/706).
([4]) الإجماع, ابن المنذر (ص115), والمغني, ابن قدامة (8/6).
([5])مجلة المجمع " عدد 2 ، ( 2 / ص 527 ) ، وعدد 3 ( 1 / ص 77 ) .قرارات (ص29)
([6]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية (13/413).
([7]) المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية (ص350).
([8])مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثالثة, قرار رقم: (1)/د/3/07/86 (1/305-307), و المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية (ص350).
([9])لأنها تكون حينئذ رباً، كما هو الحال في بعض المؤسسات المقرضة فإنها تحصل رسوماً تحت اسم رسوم تحصيل القرض وهو أن يدفع المقترض مبلغاً من المال مع كل قسط يسدده كرسوم تحصيل للقرض فهذا ربا محرم وإن سموه رسوماً. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية, الفتوى رقم (3146).
([10])مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثالثة, قرار رقم: (1)/د/3/07/86 (1/305-307), والمعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية (ص350).
([11])فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية, الفتوى رقم (3146).
([12])فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية, الفتوى رقم (3146).
([13]) العمولات المصرفية, السماعيل (ص113).
([14])بداية المجتهد, ابن رشد (2/28)، والإجماع, ابن المنذر (ص95)، والإفصاح, ابن هبيرة (1/335-371)، والشرط الجزائي, الصديق الضرير, بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة (2/49-90)، والشرط الجزائي, محمد اليمني (ص224-229).
([15])مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثالثة, قرار رقم: (1)/د/3/07/86 (1/305-307).
([16])مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة, قرار رقم: (108), (3/675-676).
([17])فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية, الفتوى رقم (3146).
 (13/413-415).
([18])المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية (ص350).

الأحد، 9 أغسطس 2015

مسائل في المعاملات المالية المعاصرة (3) الشرط الجزائي وغرامة التأخير

الشرط الجزائي هو من النوازل في باب المعاملات المالية التي انتقلت إلى البلاد الإسلامية في هذه العصر([1]), فهذا المصطلح قانوني حديث لم يكن معروفاً عند فقهائنا الأقدمين بهذا الاسم، وإن كان مفهومه ومدلوله معروفا عندهم ومبحوثاً في فصول الشروط العقدية من مدوّناتهم الفقهية([2]), بل قال الدكتور محمد اليمني: "الشرط الجزائي معاملة مستحدثة لا مثيل لها في الفقه الإسلامي ولا شبيه"([3]).
وهذا النوع من الشرط لم تكن الحاجة إليه قائمة - بدرجة كبيرة قبل العصور الحديثة نظراً لبساطة الحياة الاقتصادية، فلما تعقدت الحياة المادية المعاصرة، وتشابكت علاقاتها، وأصبحت الآثار السيئة الناتجة عن عدم وفاء أو تأخر أحد طرفي العقد بالتزاماته نحو الآخر كبيرة، ظهرت الحاجة إلى هذا النوع من الشروط.



أولاً: تعريف الشرط الجزائي.
الشرط الجزائي له مسميات كثيرة نظراً للاختلاف في مفهومه وحقيقته فمن رجح أنه تعويض عن الضرر أطلق عليه "التعويض الاتفاقي"، ومن رجح أنه جزاء وعقوبة أطلق عليه "الجزاء الاتفاقي" أو "غرامة التأخير"، ولما كان في الغالب يوضع كشرط في العقد ضمن شروط العقد الأصلي الذي يستحق التعويض على أساسه سمي "الشرط الجزائي" وهو الأشهر في الاستعمال([4]).
الشّرط الجزائي: هو اتفاق بين العاقدين على تقدير مسبق للتعويض الذي يستحقه الدائن أو الملتزم له إذا لم ينفذ الملتزم أو المدين التزامه أو تأخر في تنفيذه([5]).
وقيل: هو التزام زائد يتفق بموجبه المتعاقدان على تعيين التعويض الشرعي الذي يستحق عند الإخلال الاختياري المضر بالمشترط([6]).
ثانياً: صور التعويض في الشرط الجزائي.
التعويض عن الضرر في الشرط الجزائي له ثلاث صور([7]):
الصورة الأولى: أن يكون التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي أكبر بكثير من قيمة الضرر الناشئ عن التقصير أو الخطأ في التنفيذ، فيكون بمثابة التهديد المالي.
الصورة الثانية: أن يكون التعويض المتفق عليه مساوياً للضرر المتوقع.
الصورة الثالثة: أن يكون التعويض المتفق عليه في الشرط أقل بكثير من الضرر المتوقع فيكون الشرط بمثابة التخفيف من المسؤولية التي تثبت على العاقد بسبب تقصيره في التنفيذ.

تنبيه: أعطى قانون دولة الإمارات العربية المتحدة للقاضي في حالة الشكوى السلطة بتعديل الشرط الجزائي ليساوي الضرر تماماً, فقال: "يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدماً قيمة التعويض بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون, ويجوز للقاضي في جميع الأحوال بناءً على طلب أحد الطرفين أن يعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساوياً للضرر ويقع باطلاً كل اتفاق يخالف ذلك"([8]), وهذا هو الموافق لأحكام الشريعة الإسلامية, وهو  منقبة للقانون الإماراتي, فاللهم وفق حكامنا وولاة أمورنا لما تحبه وترضاه.  


ثالثاً: شروط استحقاق الشرط الجزائي.
الشرط الأول: حصول الضرر المالي الفعلي، الناتج عن عدم التنفيذ أو التأخر في تنفيذ ما التزم به([9]), ولا يشمل ذلك الضرر الأدبي أو المعنوي([10]).
الشرط الثاني: أن يكون سبب الضرر راجعاً إلى الإخلال بالالتزام, لا إذا كان الضرر الذي حصل راجعاً إلى ظروف طارئة كالكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات ونحوها([11]).



رابعاً: حكم الشرط الجزائي.
الشرط الجزائي ينقسم إلى قسمين, شرط جزائي في الديون, وشرط جزائي في غير الديون:
القسم الأول: حكم الشرط الجزائي في الديون:
 وصورته: اشتراط زيادة معينة في العقد على أصل الدين عند عدم السداد, أو التأخر في سداد الدين في الوقت المحدد([12]), كاشتراط الزيادة في عقد القرض، وعقد البيع بثمن مؤجل، وعقد السلم ونحوها.
الحكم: فحكم الشرط الجزائي في العقود التي يكون الالتزام فيها ديناً أنه لا يجوز, لأنه من الربا الصريح، إذ هو عبارة عن الزيادة على أصل الدين مقابل التأجيل وهذا هو ربا الجاهلية المجمع على تحريمه: "أتقضي أم تربي"([13]).
تنبيه: يجب أن يعلم أن كل غرامة تفرض على المدين تعتبر من باب الربا وإن سميت غرامة تأخير أو سميت شرطاً جزائياً فإن الشرط الجزائي لا يكون في الديون.
وللبنوك طرق وحيل في الحصول على هذه الزيادة, ويحاولون أسلمتها بكل السبل, فمرة سألت أحد الموظفين عن معاملة, فقلت له هل توجد غرامة تأخير للسداد؟ فقال: لا, ولكن توجد رسوم شهرية نحن لا نطالبك بها ما دمت تسدد الأقساط في الموعد, ولكن لو تأخرت عن السداد فسوف نطالبك بها, فأنظر رعاك الله, كيف يتحايلون للحصول عليها, فأنا أنصحك أن تسأل الموظف هذا السؤال, إذا تأخرت في السداد لسبب من الأسباب فماذا علي؟
واستدلوا:
الدليل الأول: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} سورة البقرة الآية 275, قال الإمام القرطبي في تفسير ما نصه: "أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخراً كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلَّ دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تُربي، أي تزيد في الدين, فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وأوضح أن الأجل إذا حلَّ ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة, وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال: (ألا إن كل رباً موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله), فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به, وهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس"([14]).
الدليل الثاني: روى مالك عن زيد بن أسلم؛ أنه قال: كان الربا في الجاهلية، أن يكون للرجل على الرجل الحق، إلى أجل, فإذا حل الحق، قال: أتقضي، أم تربي؟ فإن قضى، أخذ, وإلا زاده في حقه, وأخر عنه في الأجل([15]).
الدليل الثالث: الإجماع على تحريم الزيادة في القرض, قال ابن قدامة ابن قدامة: "وكل قرض شرط أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن السلف إذا شرط على المستلف زيادة أم هدية، فأسلف على ذلك: أن أخذ الزيادة على ذلك ربا"([16]).




القسم الثاني: حكم الشرط الجزائي في غير الديون:
صورته: أن يشترط أحد المتعاقدين أنه في حالة تأخر المقاول عن إنجاز العمل فإنه يجب عليه شرط جزائي قيمته كذا وكذا.
الحكم: الشرط الجزائي في غير الديون جائز, وهو شرط صحيح يجب الوفاء به, وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين وبه قال أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ ابن باز([17])، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي([18])، وهو ما ذهب إليه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي([19]), وقرار دار الإفتاء المصرية([20]).
واستدلوا:
الدليل الأول: أن الأصل في الشروط الصحة والجواز, فلا يحرم منها إلا ما دل الشرع على تحريمه ولم يرد في الشرع ما يدل على تحريم الشرط الجزائي فيبقى على أصل الإباحة([21]).
الدليل الثاني: قال البخاري: وقال ابن عون: عن ابن سيرين، قال رجل لكريه([22]): أدخل ركابك في يوم كذا فإن لم أرحل معك فلك مائة درهم، فرفعه إلى شريح فقضى على الرجل بالمائة، وقال: "من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه"([23]).
قال ابن حجر: "ووافقه - يعني شريحاً في هذا الحكم - أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال مالك والأكثر: يصح البيع ويبطل الشرط، ووجهه بعضهم بأن العادة أن صاحب الجمال يرسلها إلى المرعى، فإذا اتفق مع تاجر على يوم بعينه فأحضر له الإبل فلم يتهيأ للتاجر السفر أضر ذلك بحال الجمال لما يحتاج إليه من العلف فوقع بينهم التعارف على مال معين يشترطه التاجر على نفسه إذا أخلف؛ ليستعين به الجمال على العلف"([24]).
الدليل الثالث: أنه يسد أبواب الفوضى والتلاعب بحقوق العباد([25]).
الدليل الرابع: أنه يعد سبباً من أسباب الحض على الوفاء بالعهود والعقود([26]), تحقيقاً لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } [المائدة: 1].
الدليل الخامس: أنه يعد من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد، إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد([27]).
الدليل السادس: العرف, فقد تعارف الناس على وضع شروط جزائية في كثير من عقودهم, وهو عرف صحيح شرعاً لأنه لا يعارض دليلاً شرعياً, ولا يبطل واجباً ولا يحل حراماً فهو جائز وصحيح([28]).
الدليل السابع: أن عدم التنفيذ أو التأخر فيه وما يؤدي إليه من خسارة حقيقية، وفوات كسب متوقع، وتفويت فرصه وغير ذلك، ضرر يوجب التعويض([29])، وقد قال r: (لا ضرر ولا ضرار)([30]).


خامساً: قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع "الشرط الجزائي"([31]).
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية ، من 25 جمادى الآخرة 1421 هـ إلى غرة رجب 1421 هـ ( 23-28 سبتمبر 2000م ) .
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع ( الشرط الجزائي ) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء, قرر ما يلي:
أولاً: الشرط الجزائي في القانون هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شرط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما التزم به أو تأخر في تنفيذه
ثانياً: يؤكد المجلس قرارته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السلم رقم (85) (2/9 ) ونصه: لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه لأنه عبارة عن دين ، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير . وقراره في الاستصناع رقم (65) ( 3/7 ) ونصه: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطا جزائيا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة . وقراره في البيع بالتقسيط رقم (51) ( 2/6 ) ونصه : إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط لأن ذلك ربا محرم .
ثالثاً: يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنا بالعقد الأصلي كما يجوز أن يكون في اتفاق لاحق قبل حدوث الضرر
رابعاً: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ماعدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينا فإن هذا من الربا الصريح .
وبناء على هذا فيجوز هذا الشرط - مثلا - في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول ، وعقد التوريد ولا يجوز - مثلا - في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار أو المماطلة ، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه.
خامساً: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ، وما لحق المضرور من خسارة حقيقية ، وما فاته من كسب مؤكد ، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي.
سادساً: لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته ، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد .
سابعاً: يجوز للمحكمة بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في مقدار التعويض إذا وجدت مبررا لذلك ، أو كان مبالغا فيه.



([1]) الشرط الجزائي, محمد اليمني (ص6).
([2])معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء, نزيه حماد (ص257)
([3]) الشرط الجزائي, محمد اليمني (ص167).
([4])الوسيط, السنهوري (2/851)، وعقد التوريد الإداري, عاطف سعدي (ص456)، ومناقصات العقود الإدارية, رفيق المصري (ص58)، والشرط الجزائي, محمد اليمني (ص22-23), ومعجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء, نزيه حماد (ص257).
([5])معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء, نزيه حماد (ص257), وعقد التوريد, المطلق (ص60), والشرط الجزائي, محمد اليمني (ص72), وشرح قانون الموجبات والعقود, زهدي يكن (5/135), ومجلة مجمع الفقه الإسلامي (12/2/305).
([6]) الشرط الجزائي, محمد اليمني (ص72).
([7])الوسيط, السنهوري (2/851)، وعقد التوريد, المطلق (ص61), والأسس العامة للعقود الإدارية, الطماوي (ص512)، وعقد التوريد الإداري, عاطف سعدي (ص456)، والمدخل الفقهي العام, الزرقاء (2/717-718)، ومناقصات العقود الإدارية, رفيق المصري (ص58-60), ومعجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء, نزيه حماد (ص257).
([8])المادة رقم (390) من قانون المعاملات المدنية الاتحادي رقم (5) لسنة 1985م, والمعدل بالقانون الاتحادي رقم (1) لسنة 1978م.
([9])عقد التوريد الإداري, عاطف سعدي (ص461-462)، والشرط الجزائي, الصديق الضرير, بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة (2/49-90).
([10])الشرط الجزائي, الصديق الضرير, بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة (2/49-90)، الوسيط للسنهوري: 2/856، مجلة مجمع الفقه الإسلامي: 12/2/305. والشرط الجزائي, محمد اليمني (ص191).
([11])عقد التوريد الإداري, عاطف سعدي (ص462)، والوسيط, السنهوري (2/859)، والشرط الجزائي, الصديق الضرير, بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة (2/49-90)، ومناقصات العقود الإدارية, رفيق المصري (ص58).
([12]) الشرط الجزائي, محمد اليمني (ص224).
([13])بداية المجتهد, ابن رشد (2/28)، والإجماع, ابن المنذر (ص95)، والإفصاح, ابن هبيرة (1/335-371)، والشرط الجزائي, الصديق الضرير, بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة (2/49-90)، والشرط الجزائي, محمد اليمني (ص224-229).
([14])تفسير القرطبي (3/ 356).
([15])أخرجه مالك في الموطأ، كتاب البيوع، باب ما جاء في الربا في الدين, رقم (2480 )، والبيهقي في الكبرى، باب تحريم الربا, رقم (10247).
([16])المغني, ابن قدامة (6/ 436).
([17])أبحاث هيئة كبار العلماء (1/295).
([18])مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة, قرار رقم (109) (2/305).
([19])مجلة المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي الدورة الحادية عشرة, قرار رقم: (8).
([20])صيانة المديونيات "ضمن بحوث فقهية", شبير (1/859), والشرط الجزائي, محمد اليمني (ص231).
([21])الشرط الجزائي, محمد اليمني (ص231).
([22]) الكري: هو مؤجر الدواب, القاموس المحيط, الفيروز آبادي (ص1712), وأساس البلاغة, الزمخشري (ص391).
([23])أخرجه البخاري معلقاً, كتاب: الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط، والثنيا في الإقرار والشروط (2/ 981)، ووصله عبد الرزاق في المصنف (8/ 59)، رقم (14303)، وابن حجر في تغليق التعليق (3/ 415).
([24])فتح الباري, ابن حجر (5/ 354).
([25])أبحاث هيئة كبار العلماء (1/295).
([26])الشرط الجزائي, محمد اليمني (ص232).
([27])    أبحاث هيئة كبار العلماء (1/295).
([28]) الشرط الجزائي, الحموي (ص177), والشرط الجزائي, الشهري (ص163).
([29])أبحاث هيئة كبار العلماء (1/295-296)، وعقد التوريد, المطلق (ص62)، والشرط الجزائي, اليمني (ص232).
([30])أخرجه مالك, كتاب الأقضية, باب: القضاء في المرفق (4/40), وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/413).
([31])مجلة مجمع الفقه الإسلامي, الدورة الثانية عشرة, قرار رقم (109) (2/305).