الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لقد سألني بعض الإخوة الأفاضل عن معاملة في مصرف أبوظبي الإسلامي, وهي السحب على المكشوف لنصف الراتب, من غير فوائد, ويأخذون (100) مائة درهم كرسوم خدمات إدارية.
فما حكم هذه المعاملة؟ وما هو تكييفها الفقهي؟ وهل يجوز أخذ الرسوم الإدارية؟
فأحببت أن أجمع كلام علمائنا في هذه المسألة وأنقل لإخواني فتاوى علمائنا, فهم بركتنا, ونحن بهداهم نقتدي, فأقول وبالله التوفيق:
لقد أصبح فرض أمثال هذه الرسوم -الإدارية- عرفًا في معظم المرافق العلمية والاجتماعية؛ إذ المقصود منها تغطية نفقات الأعمال الإدارية، والأدوات المكتبية في المقام الأول([1])، وهي صورة حديثة من صور المعاملات المالية المعاصرة, ولقد جمعت كلام العلماء عن هذه المعاملة, ورتبتها في أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الرسوم الإدارية.
المطلب الثاني: حكم الرسوم الإدارية.
المطلب الثالث: شروط الرسوم الإدارية.
المطلب الرابع: قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات الشرعية بخصوص الرسوم الإدارية.
أولاً: تعريف الرسوم الإدارية لغة.
الأصل في معنى الرّسم لغة: الإعلام, يقال: رسمت الكتاب؛ أي كتبته, ويأتي أيضا بمعنى الأثر، أو بقيته، أو ما لا شخص له من الآثار, وجمعه رسوم.
ثانياً: تعريف الرسوم الإدارية اصطلاحاً.
الرّسم: هو مبلغ من المال يجبيه أحد الأشخاص العامة جبراً من الفرد، لقاء خدمة يؤديها له.
وهذا اللفظ غير مستعمل في مصطلح الفقهاء بهذا المعنى.
وقيل: الرسوم مبالغ محددة يتم تقديرها على حسب مستوى الخدمات([3]).
المطلب الثاني: حكم الرسوم الإدارية.
أولاً: التكييف الفقهي للرسوم الإدارية.
الرسوم الإدارية تعتبر من باب الأجرة مقابل خدمات حقيقية فعلية يقوم بها البنك لصالح العميل, كمتابعة القرض والإشراف الهندسي على التنفيذ ونحو ذلك, ولقد اتفق الفقهاء على مشروعية الإجارة([4]).
ثانياً: حكم الرسوم الإدارية.
الرسوم الإدارية جائزة بشروط, وهو ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي([5]), واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية([6]), وهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية([7]).
المطلب الثالث: شروط الرسوم الإدارية.
الشرط الثاني: أن تكون الرسوم الإدارية متناسبة مع الخدمات المقدمة, والزيادة على الخدمات الفعلية تعتبر من الربا المحرم شرعاً([10]), وتقدير الرسوم الإدارية يرجع فيه لأهل الخبرة([11]).
الشرط الثالث: أن لا ترتبط الرسوم بمبلغ القرض, فتزيد تبعاً لزيادة المبلغ, أو لزيادة طول المدة, بل ترتبط بالقيمة الحقيقية للخدمة التي يبذلها البنك([12]), وعليه لا يجوز جعل رسوم الخدمة نسبة مئوية من مبلغ القرض, لأنه دليل على أنه لم يراع في تقدير التكاليف القيمة الفعلية([13]).
الشرط الرابع: أن لا تكون هناك غرامة إذا حصل تأخير في سداد القرض, لأنه من الربا الصريح، إذ هو عبارة عن الزيادة على أصل الدين مقابل التأجيل وهذا هو ربا الجاهلية المجمع على تحريمه: "أتقضي أم تربي"([14]).
المطلب الرابع: قرارات المجامع الفقهية وفتاوى الهيئات الشرعية بخصوص الرسوم الإدارية.
القرار الأول: بشأن: استفسارات البنك الإسلامي للتنمية.
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ /11 - 16 تشرين الأول (أكتوبر ) 1986م .
بعد دراسة مستفيضة ومناقشات واسعة لجميع الاستفسارات التي تقدم بها البنك إلى المجمع،
قرر ما يلي :
(أ) بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية :
أولاً : يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية .
ثانياً : كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعاً .
ثالثاً: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراض من مصدرها، ولا حرج فيه شرعاً إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة, وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة، لأنها من الربا المحرم شرعاً، كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم 13 ( 10/2 ) و 13 (1/3 ).
س: تعلمون فضيلتكم أن صندوق التنمية العقارية يمنح قروضا للاستثمار، في مجال البناء، وهي قروض بدون فائدة، وتقدر قيمتها بـ 50% من تكلفة أي مشروع استثماري، ويتم دفعها على أقساط بموجب شهادات تنفيذ، يتم إعدادها عقب إنجاز مراحل المشروع. وقد تقدمت لإدارة الصندوق للحصول على قرض استثماري، وعندما حان وقت توقيع العقد فيما بيني وبين تلك الإدارة، طلب مني تسليم مبلغ نصف ريال% من تكلفة المشروع مقدما، وعندما سألتهم: مقابل ماذا تلك النسبة؟ قيل لي: إنها بدل أتعاب ومصاريف إدارية، وأن هذا من صلب لائحة الإقراض، ولا سبيل للحصول على ذلك إلا بتسليم ما طلبوا.
آمل إفادتي: هل يجوز لي ذلك، وما الحكم لو طلبت منهم خصم تلك النسبة من أصل قيمة القرض؟
وأجابت بما يلي: سبق أن درس مجلس هيئة كبار العلماء موضوعا مماثلا لهذا، وأصدر قرارا بالأكثرية برقم 66 في 7 \ 2 \ 1400 هـ، جاء فيه:
اطلع المجلس على الكتاب المقدم إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من أصحاب المشاريع الصناعية، حول أخذ صندوق التنمية الصناعية السعودي 2% مما يقرضه لهم رسوم مساعدة تمويل المشروع، واطلع على كتاب معالي وزير المالية رقم 3178 \ 98 وتاريخ 29 \ 6 \ 1398 هـ، إلى معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء، في بيان أن ما يتقاضاه الصندوق من الرسوم ليس من أجل القروض، وإنما هو جزء ضئيل يدفعه المقترض مقابل ما يقوم به الخبراء الفنيون من دراسة المشروع الصناعي، دراسة فنية ومالية، وما يقدمونه من مشورات وغير ذلك، مما يعود على صاحب المشروع بالنفع ويساعد على نجاح مشروعه، وهذا مما يكلف الصندوق تكاليف مالية كبيرة، واطلع على ما جاء في فقرة (د) من المادة الثانية، من مواد العقد المبرم، بين الصندوق وأصحاب المشاريع الصناعية، والمرفق صورتها بالمعاملة، من أن المقترض يوافق بموجب هذا العقد على أن يدفع للصندوق بدون قيد أو شرط رسم مساعدة تمويل، بمعدل 2% (اثنين بالمائة) سنويا، ويتم حساب هذا الرسم على القيمة الأساسية غير المسددة لكل قرض.
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته، وتداول الرأي فيه، قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: هذه الرسوم ربا صريح؛ لكونها في مقابل ما دفعه صندوق التنمية من القرض لصاحب المشروع كما هو نص فقرة العقد (د) من المادة الثانية من مواد العقد المبرم بين الطرفين، ولأنها لو كانت مقابل الخدمات التي يقدمها الخبراء الفنيون لتفاوتت بقدر تفاوت متاعب الدراسات الفنية والمالية التي يقوم بها الخبراء، ولأنها تنقص تدريجيا بقدر ما يسدد من مبلغ القرض.
ثانيا: إذا قدر أهل النظر والخبرة ما يقوم به الخبراء الفنيون من متاعب الدراسات الفنية والمالية لمصلحة المشروع، فلصندوق التنمية السعودي أن يتقاضى الأجر المنفق مقابل هذه الدراسات أو جزء منه، وإن تركه الصندوق مساعدة لصاحب المشروع فهو أولى.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
"يجوز للمؤسسة المقرضة أن تأخذ على خدمات القروض ما يعادل مصروفاتها الفعلية المباشرة, ولا يجوز لها أخذ زيادة عليها, وكل زيادة على المصروفات الفعلية محرمة".
الخاتمة:
مما تقدم يتبين جواز المعاملة التي يجريها مصرف أبوظبي الإسلامي, لتوفر الشروط فيها, فما يأخذه المصرف من رسوم (100) مائة درهم هو نظير الخدمات الإدارية, وهو ثابت لا يتغير مهما زاد مبلغ القرض, ولا توجد غرامة تأخير.
تنبيه: تم التواصل مع أحد المستشارين في مصرف أبوظبي الإسلامي وأكد أن الرسوم فعلية وهي أقل من التكاليف الإدارية والمصرف فعل ذلك للاحتياط، فجزاهم الله خيرا ووفقهم لتطبيق الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية.
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه: يوسف بن أحمد النوحي